اللغة التفاعلية في مسرح الشارع (عروض مهرجان كركوك لمسرح الشارع / الدورة السابعة)
الملخص
البحث دائم في لغة العرض المسرحي، ومستمر في عملية التجديد لإغناء العرض وزيادة فاعلية طرفي معادلة العرض الرئيسين (المؤدي والمتلقي) لأن غياب تفاعل أحدهما يضعف العرض المسرحي، وهذا الأمر يشمل أنواع العروض المسرحية كافة، ومنها عروض مسرح الشارع الذي يشد الرحال إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع الهامة لتقديم قضايا المجتمع باختزال وتكثيف وأداء مثير.
عمل مسرح الشارع على مبدأ وجود مؤدي مقابل متلقي والتواصل مع بعضهم عبر إنشاء لغة تفاعلية مشتركة، دون إيلاء الكثير من الاهتمام إلى لغة الأمور الأخرى (المنظر والأزياء والاكسسوارات والإضاءة …) إلا في حال الضرورة الدرامية التي يحتمها الفعل، فالسيادة في مسرح الشارع للغة المؤدي (الحوار والايماءة والحركة …) ولغة المتلقي (المتفاعل) المتأتية من رد الفعل على مجريات العرض.
يهدف البحث الحالي إلى تعرف خصائص اللغة التفاعلية في مسرح الشارع.
تكون الاطار النظري من مبحثين:
المبحث الأول: لغة العرض المسرحي:
لقد تعمقت اكتشافات للغات المسرح وعموم الدراما وأصبح للمسرح لغات عديدة مضافة للغة الحوار/ الكلام ، منها:
- لغة الفضاء (اللون والخط والكتلة والضوء والظل) ويعنى بها مصمم المنظر والأزياء والماكياج والإضاءة
- لغة الجسد الاشارة والايماءة وغالبا ما يختص بها الممثلين بناء على توجيهات الإخراج.
- لغة الموسيقى والمؤثرات الصوتية.
هذه اللغات كلها تبوح بمعاني وتسهم في إيصال دلالات النص/ العرض. فالفكرة التي يتضمنها النص/ العرض المسرحي لا تطرح عن طريق لغة الحوار/الكلام حصرا، بل يتشارك في طرحها جميع عناصر النص وجميع القيم الدراماتيكية للعرض بصيغة غير مباشرة، أما الصيغة المباشرة لإيصال فكرة النص/ العرض المسرحي فهي صيغة لغة الحوار. وتتبلور جميع اللغات في المكونة للعرض المسرحي بلغة واحدة هي لغة الاسلوب ، ذلك أن السيادة في الأدب والفن وكل شيء في الحياة هي لغة الأسلوب وليس أسلوب اللغة.
المبحث الثاني: اللغة التفاعلية في مسرح الشارع
يوجد تقارب روحي ومادي بين عرض مسرح الشارع متمثلا بالمؤدين والتقنيات وبين الجمهور المحيط بهم، والمقصود بالتقارب الروحي هو أن المؤدين ليسوا شخصيات غريبة عن المتلقي، لأنها غالبا ما تكون مستلة من الواقع او توحي بالواقع بصورة ما، لاسيما عندما تطرح الموضوع والقضايا التي تمس حياة الجمهور الحاضر مباشرة، مما يجعل الصلة بين العرض والجمهور قوية روحيا. أما التقارب المادي فيتضح من حرص المؤدون على مخاطبة الجمهور بصورة مباشرة وقد يحتكون به جسديا او يطلب منهم التواجد في مساحة الأداء والمشاركة في العرض. ونتيجة لهذا التقارب يمكن أن تتقلص المسافة النفسية بين العرض والجمهور المتفاعل مع العرض، يراعي مسرح الشارع الجمهور الذي استقطبه وجعله محيطا بالعرض من حيث:
- لغة الحوارات تكون قصيرة وقربية إلى الحياة اليومية والمناسبة لموضوع العرض.
- وضوح الفكرة والابتعاد عن التعمق والتشعب.
- تناول حدث واحد خال من التفرعات.
- زمن العرض لا يرهق الجمهور الذين يشاهدون العرض وقوفا بصفوف غير منتظمة مما يجعل المشاهدة والمتابعة غير ميسورة على بعضهم.
مؤشرات الإطار النظري:
- يمتلك المتلقي في مسرح الشارع لغة يشارك من خلالها في العرض عبر إظهار الانفعالات والتعبير بالكلام ومجمل ردود الفعل وتلبية دعوة المؤدين للقيام بفعل ما بالصوت والحركة والدخول إلى مساحة التمثيل.
- تعتمد الجمل القصيرة في حوار عروض مسرح الشارع ، وفي حال وجدت الحوارات الطويلة فإنها تتطلب درجة عالية من الشحنات العاطفية المثيرة لتفاعل الجمهور.
- لغة التقنيات المسرحية (الأزياء الديكور والاضاءة ) في عروض مسرح الشارع قليلة الاستخدام بالمقارنة مع لغة تقنيات العروض التقليدية.
- لغة الموسيقى والغناء الحي تحرك مشاعر الجمهور في مسرح الشارع أكثر من الموسيقى المسجلة مسبقا.
الفصل الثالث : إجراءات البحث
مجتمع البحث: يتكون مجتمع من العروض المقدمة في مهرجان مسرح الشارع في كركوك - الدورة السابعة بتاريخ ١٩- ٢١/ ١١ / ٢٠٢٣ - وهي أكثر من عشرين عرضا مسرحيا متنوع الطروحات والتوجهات الفكرية والفنية.
عينة البحث: نماذج مختارة من العروض المقدمة في المهرجان
النموذج الاول:المسرحيَّة الصامتة (رسائل البحر) أداء (هونر محي طاهر - دكتور كيفي أحمد عبدالقادر - فريدون حمد أمين) تقديم فرقة (كويا) من مدينة كويسنجق - اربيل.
النموذج الثاني: مسرحية (مسافر من غزة) تمثيل (موختاري محمدي) وإخراج نجاة نجم.
النموذج الثالث: مسرحية (رسائل) توليف وإخراج صادق مكي - تمثيل جعفر الأمير - تقديم شعبة المسرح المعاصر في العتبة الحسينية المقدسة
النموذج الرابع: مسرحية (كفى) إخراج وائل زكريا - جمهورية سوريا
النموذج الخامس:عرض مسرحية (نخاسة) انتاج كلية الكنوز الجامعة ، تأليف سعد هدابي ، وإخراج علي الأحمد.
الفصل الرابع: النتائج والاستنتاجات
من النتائج:
أولا: تعددت لغات الحوار في عروض مهرجان كركوك لمسرح الشارع الدورة السابعة كما تعددت لهجات لغة الحوار ، فقد كانت اللغة الكردية حاضرة في مسرحية (مسافر من غزة) واللغة العربية حاضرة في مسرحية (رسائل) إلى جانب اللهجات المحلية المتفرعة من هذه اللغات ، وكانت السيادة للغة الحوار في عرض مسرحية (نخاسة).
ثانيا: كان للغة الإشارة والحركة والايماءة دور كبير ومهم في إيصال مضامين العروض، وذهب عرض مسرحية (رسائل البحر) ومسرحية (كفى) إلى رفع لغة الحوار كليا من العرض، والركون إلى فاعلية لغة الحركة والايماءة والموسيقى والمؤثرات والازياء والملحقات.
ثالثا: عملت الموسيقى والمؤثرات الصوتية بفاعلية كبيرة ، فقد أدت دورا تمهيديا لبداية العروض في عرض مسرحية (كفى) أدت المؤثرات دورا مفصليا في تغيير منحى الأحداث بعد أن كانت موسيقى الاحتفال سائدة، جاء مؤثر صوت انفجارات وسقوط قذائف استشهد على اثرها العروسين، وفي عرض مسرحية (نخاسة) كان لقرع الطبول الحي وأصوات الإيقاعات دور صناعة الجو النفسي العام المثير للتفاعل.
من الاستنتاجات:
- تحقق عروض المسرحيات الصامتة والتي تستخدم حوارات قليلة في مسرح الشارع تفاعلا اعلى من العروض التي تعتمد لغة الحوار أساسا لإيصال مضمونها ، لأن ضياع الكلمات وارد جدا في الفضاءات المفتوحة بسبب من التشويش السمعي الناتج عن حركة الجمهور وأصوات المارة.
- الموسيقى والمؤثرات الحية - غير المسجلة - تحقق تفاعلا اعلى وتكسر الايهام.
- جميع العروض خاطبت الجمهور بصورة مباشرة ، وتضمنت دعوة للمشاركة.